يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

378

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

السنة الأجناس . ثم خيلهم أفضل الخيول ، ونساؤهم أعف النساء ، ولباسهم أفضل اللباس ، ومعادنهم الذهب والفضة ، وحجارة جبالهم الجزع ، ومطاياهم التي لا يبعد عن مثلها سفر ، ولا يقطع بمثلها بلد قفر . وأما دينها وشريعتها ، فإنهم متمسكون بها حتى يبلغ أحدهم من تمسكه بدينه أن لهم أشهرا حرما وبلدا حراما وبيتا محجوجا ، ينسكون فيها مناسكهم ، ويذبحون ذبائحهم ، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك دمه ، فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله بالأذى . وأما وفاؤها ، فإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومي الإيماء ، فهي ألب وعقد لا يحلهما إلا خروج نفسه . وإنّ أحدهم يرفع عودا من الأرض فيكون رهنا بدينه ، فلا يغلق رهنه ولا تخفر ذمته . وإنّ أحدهم ليبلغه أنّ رجلا استجار به وعسى أن يكون نائيا عن داره ، فيصاب فلا يرضى حتى تفنى تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته لما أخفر من جواره ، وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحروب من غير معرفة ولا قرابة ، فتكون أنفسهم دون نفسه ، وأموالهم دونه ماله . وأما قولك أيها الملك : يئدون أولادهم من الحاجة ؛ فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار ، وغيرة من الأزواج . وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضا وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم ؛ فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا آنست من نفسها ضعفا وتخوّفت نهوض عدوّها إليها بالزحف ، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائرهم ، فيلقون إليهم أمورهم وينقادون إليهم بأزمتهم . فأما العرب فإن ذلك كثير فيهم ، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين مع أنفتهم من أداء الخراج والوطء والعسف . وقال إلى غير ذلك كلاما طويلا اختصرته ، فعجب كسرى مما أجابه النعمان به ، وقال : إنك لأهل لموضعك من الرياسة في أهل إقليمك ، ولما هو أفضل ، ثم كساه من كسوته وسرحه إلى موضعه من الحيرة . فلما قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقيص العرب وتهجين أمرهم ؛ بعث إلى أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة وجماعة من رؤوس العرب سماهم ، فلما قدموا عليه في الخورنق قال لهم : قد عرفتم حال هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منهم ، وقد سمعت من كسرى مقالة أتخوّف أن يكون لها غور ، واقتص عليهم مقالة كسرى وما ردّ عليه ، فقالوا : وفقك اللّه أيها الملك ما أحسن ما رددت عليه ، وأبلغ ما حاججته به ، فمرنا بأمرك وادعنا إلى ما شئت ، قال النعمان :